ابن الجوزي
171
زاد المسير في علم التفسير
أراني أحمل فوق رأسي خبزا تأكل الطير منه نبئنا بتأويله إنا نراك من المحسنين ( 36 ) قوله تعالى : ( ودخل معه السجن فتيان ) قال الزجاج : فيه دليل على أنه حبس ، وإن لم يذكر ذلك . و " فتيان " جائز أن يكونا حدثين أو شيخين ، لأنهم يسمون المملوك فتى . قال ابن الأنباري : إنما قال : " فتيان " لأنهما كانا مملوكين ، والعرب تسمي المملوك فتى ، شابا كان أو شيخا . قال المفسرون : عمر ملك مصر فملوه ، فدسوا إلى خبازه وصاحب شرابه أن يسماه ، فبلغه ذلك فحبسهما ، فكان يوسف قال لأهل السجن : إني أعبر الأحلام ، فقال أحد الفتيين : هلم فلنجرب هذا العبد العبراني . واختلفوا هل كانت رؤياهما صادقة ، أم لا ؟ على ثلاثة أقوال : أحدها : أنها كانت كذبا ، وإنما سألاه تجريبا ، قاله ابن مسعود ، والسدي . والثاني : أنها كانت صدقا ، قاله مجاهد ، وابن إسحاق . والثالث : أن الذي صلب منهما كان كاذبا ، وكان الآخر صادقا ، قاله أبو مجلز . قوله تعالى : ( قال أحدهما : ) يعني الساقي ( إني أراني ) أي : في النوم ( أعصر خمرا ) أي : عنبا . وفي تسمية العنب خمرا ثلاثة أقوال : أحدها : أنه سماه باسم ما يؤول إليه ، لأن المعنى لا يلتبس ، كما يقال : فلان يطبخ الآجر ويعمل الدبس ، وإنما يطبخ اللبن ويصنع التمر ، وهذا قول أكثر المفسرين . قال ابن الأنباري : وإنما كان كذلك ، لأن العرب توقع بالفرع ما هو واقع بالأصل . كقولهم : فلان يطبخ آجرا . والثاني : أن الخمر في لغة أهل عمان اسم للعنب ، قاله الضحاك ، والزجاج . قال ابن القاسم : وقد نطقت قريش بهذه اللغة وعرفتها . والثالث : أن المعنى : أعصر عنب خمر ، وأصل خمر ، وسبب خمر ، فحذف المضاف ، وخلفه المضاف إليه ، كقوله [ تعالى ] : ( واسأل القرية ) قال أبو صالح عن ابن عباس : رأى يوسف ذات يوم الخباز والساقي مهمومين ، فقال : ما شأنكما ؟ قالا : رأينا رؤيا ، قال : قصاها علي ، فقال الساقي : إني رأيت كأني دخلت كرما فجنيت ثلاثة عناقيد عنب ، فعصرتهن في الكأس ، ثم أتيت به الملك فشربه ، وقال الخباز : رأيت أني خرجت من مطبخ الملك أحمل فوق رأسي ثلاث سلال من خبز ، فوقع طير على أعلاهن فأكل منها ، ( نبئنا بتأويله ) أي : أخبرنا بتفسيره . وفي قوله [ تعالى ] : ( إنا نراك من المحسنين ) خمسة أقوال : أحدها : أنه كان يعود المرضى ويداويهم ويعزي الحزين ، رواه مجاهد عن ابن عباس . والثاني : إنا نراك محسنا إن أنبأتنا بتأويله ، قاله ابن إسحاق . والثالث : إنا نراك من العالمين قد أحسنت العلم ، قاله الفراء . قال ابن الأنباري : فعلى